Author: Ahmed Ezz
•11:48 م
الصحفى يسرى سالم وأقارب المرضى فى عنابر عزل الحالات الخطيرة
الصحفى يسرى سالم وأقارب المرضى فى عنابر عزل الحالات الخطيرة

رحلة الألم والمرض تعتبر تجربة فريدة يمر بها الإنسان، وخاصة فى حالة مرض مثل أنفلونزا الخنازير، وعند الكتابة على مثل هذه التجربة الخاصة، وإن كانت مرضا يهم الكثيرين لأن الجميع معرض لخوض هذه التجربة والمعاناة، التى تكون فيها حياة الإنسان على المحك فى البداية صدقت فعلا المقولة الحكيمة بأن الوقاية خير من العلاج، وهذه التجربة التى قادنى إليها حظى، ولم أسع فيها إلى تحقيق سبق صحفى أو انفراد بكشف حقيقة، فإن المرض والخوف هما اللذان دفعانى إلى وسط هذه الدوامة من الأحداث التى كان من الممكن أن أروح ضحيتها بسهولة.

البداية كانت نزلة برد ثقيلة جداً، تتطابق أعراضها مع أعراض أنفلونزا الخنازير، وحسب تعليمات وزارة الصحة، أسرعت بالاتصال بالخط الساخن لأنفلونزا الخنازير 105، عقدت العزم على قطع الشك باليقين، وإجراء تحليل المسحة لتأكيد ما إذا كنت حاملا للفيروس حتى لا أنقل العدوى لأحد، ذهبت إلى مستشفى صدر العباسية، واعتقدت أن الأمر لن يستغرق أكثر من ساعتين أو ثلاثة، واستقبلتنى طبيبة حديثة التخرج، فأخبرتها بحالتى، وطلبت منها تحليل أنفلونزا الخنازير، قالت لايوجد عندنا كشف أو تحليل لأنفلونزا الخنازير نحن مختصون بأنفلونزا الطيور فقط، وعليك التوجه إلى مستشفى حميات العباسية فهو المختص.

أخبرتها أن الخط الساخن لأنفلونزا الخنازير، هو الذى دلنى وأطلعتنى على منشور من وزارة الصحة، يحدد المستشفيات التى تتعامل مع أنفلونزا الخنازير، والتى تتعامل مع أنفلونزا الطيور، شكرت الطبيبة التى حولتنى إلى مستشفى حميات العباسية، وتوجهت إليها.

فى حميات العباسية كانت الساعة الثالثة عصراً، وقلت لممرضة الاستقبال، إننى أريد عمل تحليل أنفلونزا خنازير بسرعة وأمشى، ضحكت وقالت لو عاوز تحلل لازم تتحجز 24 ساعة على الأقل لغاية النتيجة ما تظهر.. فكرت فى العودة للبيت مرة أخرى، وأفوض أمرى إلى الله، وأموت فى البيت أحسن من البهدلة فى مستشفيات الحكومة، لكن فكرة الأطفال ونقل العدوى، جعلتنى أستسلم لحميات العباسية، وقلت أكشف يمكن الطبيب يطمنى بأنها نزلة برد عادية.

توجهت إلى غرفة الكشف، ووجدتها غرفة صغيرة جدا فى آخر ممر الاستقبال، كان المفترض وجود ثلاثة أطباء للكشف، لكنى وجدت طبيبا واحدا والمرضى فى ممر الاستقبال ينتظرون دورهم. والطبيب يعمل وحده دون مساعدة، وبدا عصبياً، وثار على المرضى المتعجلين أكثر من مرة. كان الطبيب يتسلم أوراق التحويل، ويوقع الكشف على المرضى، وينظم الدخول والخروج والمرضى فى الممر المكشوف، تلسعهم أشعة الشمس فيضغطون على الطبيب..
فى النهاية كشف على الطبيب، وسألنى هل تخالط أجانب، قلت مش فاكر، فنظر إلى نظرة من تحت الكمامة تم كتب H1N1 على ورقة صغيرة مقتطعة من ورقة الكشف، وقال إلى الاستقبال، أدركت أن هناك حالة اشتباه بأنفلونزا الخنازير، توجهت إلى الاستقبال وأعطيت الممرضة الورقة، فلما شاهدتها لبست الكمامة التى كانت قد خلعتها من قبل، وبدأت فى فتح استمارة دخول حالة اشتباه بفيرس أنفلونزا الخنازير، طلبوا منى البطاقة الشخصية، واستغرقت الإجراءات حوالى الساعة، وبعد ذلك اصطحبنى أحد أفراد الأمن إلى معمل التحاليل لأخذ مسحة لتحليلها، انتظرت فنى المعمل إلى أن جاء، وأخذ عينتين وبعد ذلك اصطحبونى إلى عنبر رقم 10 الخاص بحالات الاشتباه بأنفلونزا الخنازير، وهذا بمعرفة أمين شرطة من المباحث.

هناك وجدت حالتين فى انتطار نتيجة التحاليل.. الحالة الأولى محمد يوسف مدير بأحد الفنادق الكبرى، شاب ومتحمس كان يتوقع من حميات العباسية ما هو أفضل، وقد ساعد فى تأهيلى نفسيا لما هو آت، والحالة الثانية كانت لطبيب محتجز لحين ورود نتيجة التحليل، وهو الطبيب الوحيد الذى شاهدته فى المستشفى بعد طبيب الاستقبال، وكان له دور كبير فى شرح الأدوية التى كنا نتعاطاها.



القطط تحتل أسرة المرضى فى المستشفى


عنبر رقم عشرة رجال، مكون من 16سريرا، لم يكن به سوى ثلاث حالات، الشبابيك مفتوحة على مصراعيها بدون زجاج أو سلك مانع للناموس والباب أيضاً مفتوح، وعلمت من اللافتة الضخمة التى تعلو العنبر، أنه تم إنشاؤه كصدقة جارية من أحد رجال البر والإحسان، دخلت العنبر فى تمام الساعة الخامسة مساء، كان الجو صحوا يصلح لنزهة، وبالفعل ترك أغلب نزلاء حميات العباسية عنابرهم، وخرجوا للنزهة فى ممرات المستشفى، وكأننا فى حديقة عامة، كنت أتوقع عزلاً عن العالم الخارجى، لكننى انطلقت داخل المستشفى، وحاولت استكشاف المكان.. اكتشفت أن عنبر عزل مرضى الإيدز لا يختلف عن باقى أقسام المستشفى، واكتشفت أيضاً أن حميات العباسية أيضاًً طبقى، يقسمه شارع رئيسى إلى جناحين يمين ويسار، الجناح الأيمن فخم، والأيسر عام، وبعد ساعتين من الوجود فى عنبر 10 جاءت ممرضة بحبتين إحداها خافضة للحرارة، والثانية تعرفت عليها بمساعدة زميلنا الطبيب المحتجز، كانت حبة «التاميفلو» التى سمعنا عنها الكثير. كانت المرة الأولى التى نشاهد فيها الممرضة، والمرة الثانية عندما جاءت بحقنة مضاد حيوى، تبدو من النوع الذى يعطى للجياد، حقنتنى ونصحتنى بالمشى فى المستشفى حتى يزول الألم، لكنه لم يغادرنى حتى الآن، ولما سألت الطبيب الزميل أخبرنى أنها حقنة بنسلين أو أحد مشتقاته طويلة المفعول.. استغربت جدا، أليس من المفترض عمل اختبار حساسية قبل الحقن بهذه الجرعة القاتلة، لكن الأمر بدا تافها فى مستشفى عريق مثل حميات العباسية، يبدو أن التعامل اليومى مع الموت أصاب العاملين فيه بتواطؤ مع الموت.

غضب محمد يوسف ولم يكن غضبه بسبب سوء المعاملة فقط، لكن بسبب كونه مصريا، وقال بمرارة: أنا دخل معايا مصريين بالاشتباه نفسه لكن لأن معهم جوازات سفر أمريكية حجزوهم فى العنبر رقم 20 المميز، وهو دخّلوه عنبر 10، لأنه مصرى والفرق بين الاثنين كبير، محمد طلب المدير فقالوا له إنه فى الويك إند، وطلب المناوب فقال له دى امكانياتنا ومش عاجبك روح مستشفى خاص فى مدينة نصر بتعمل التحليل بـ1200 جنيه، المهم وصلت نتيجة التحليل الخاص بمحمد يوسف الساعة 11مساء واكتشف سلامته وفر هاربا...الغريب أن الذى يحضر نتيجة التحليل أمين شرطة من المباحث مقيم فى المستشفى، وفى منتصف الليل مرت عاملة وحذرتنا من ترك أية متعلقات «إحنا فى محطة مصر ياولاد».

فى اليوم الثانى كان من الملاحظ أن هناك تعليمات جديدة، يبدو أنهم عرفوا أننى صحفى، وخشوا من نشر ما يحدث، حضرت ممرضة جديدة، وتم منعنا من مغادرة العنبر بدون الكمامات، أعطونى جرعة أخرى من التاميفلو، مع خافض للحرارة، وحقنة مضاد حيوى من النوع العادى، وجاء الإفطار والغداء فى مواعيده المنتظمة، بعد أن كدنا نموت من الجوع فى اليوم الأول، وفى تمام الساعة الثامنة مساء، وصل أمين الشرطة وأعلن براءة الجميع.. جميع التحاليل سلبية، غادرنا المستشفى بدون أوراق تدل على سلبية التحليل أو حتى أوراق للخروج، فلا أحد يسأل عن الدخول أو الخروج.

This entry was posted on 11:48 م and is filed under . You can follow any responses to this entry through the RSS 2.0 feed. You can leave a response, or trackback from your own site.